
في الخامس من أوت من كل عام، تستحضر صفاقس واحدة من أكثر المحطات دموية في تاريخ نضالها النقابي والوطني: معركة 5 أوت 1947، اليوم الذي تحولت فيه المدينة إلى مسرح لمواجهة دامية بين العمال التونسيين وقوات الاحتلال الفرنسي، مخلفة عشرات الشهداء والجرحى، وراسخة في الذاكرة الجماعية لأهالي الجهة والحركة النقابية التونسية.
إضراب عام يشعل المواجهة
جاءت أحداث 5 أوت 1947 في سياق إضراب عام شنته الحركة النقابية التونسية، حيث انطلق الإضراب عند منتصف الليل، بعد تلقي الاتحادات برقية تؤكد قرار الإضراب وتدعو العمال إلى التزام الهدوء وعدم الانجرار وراء الاستفزازات.
وشارك في الإضراب أكثر من 100 ألف عامل في مختلف أنحاء البلاد، من عين دراهم شمالًا إلى بنقردان جنوبًا، غير أن صفاقس كانت على موعد مع واحدة من أعنف المواجهات.
فالمدينة، التي ارتبط اسمها ارتباطًا وثيقًا بنشأة الحركة النقابية التونسية واحتضانها لنواة الاتحاد العام التونسي للشغل، وجدت نفسها في قلب الصدام مع سلطات الاحتلال.
محطة القطار تتحول إلى ساحة مواجهة
شهد محيط محطة قطار صفاقس وورشات أرتال صفاقس-قفصة تجمع آلاف العمال، حيث تشير الروايات التاريخية إلى أن عددهم تراوح بين 3000 و4000 عامل.
وسرعان ما تحولت الأجواء إلى مواجهة دامية بين المضربين وقوات الاحتلال الفرنسي، التي تدخلت بالقوة، لتنتهي الأحداث بسقوط عدد كبير من الضحايا.
وتشير المعطيات المتداولة حول الواقعة إلى استشهاد نحو 29 إلى 30 عاملًا وإصابة أكثر من 150 آخرين.
وكان من بين المصابين النقابي الحبيب عاشور، الذي أصيب خلال المواجهة، قبل أن يصبح لاحقًا واحدًا من أبرز رموز الحركة النقابية التونسية ويتولى الأمانة العامة للاتحاد العام التونسي للشغل.
ذكرى لا تغيب عن ذاكرة صفاقس
لم تنتهِ معركة 5 أوت بانتهاء المواجهة، بل تحولت إلى واحدة من أبرز محطات الذاكرة النقابية والوطنية في صفاقس.
وتُحيي الأسرة النقابية والعمالية بالجهة الذكرى سنويًا من خلال مجموعة من الأنشطة، من بينها تنظيم معرض وثائقي حول أحداث المعركة بمقر الاتحاد الجهوي للشغل، قبل التوجه إلى النصب التذكاري لشهدائها، ثم زيارة مقبرة الشعري بطريق تونس لوضع أكاليل الزهور وتلاوة الفاتحة على أرواح من سقطوا في ذلك اليوم.
وبذلك، أصبحت الذكرى موعدًا سنويًا تستعيد فيه صفاقس جزءًا من تاريخها، وتستحضر أسماء رجال دفعوا حياتهم ثمنًا لمواقفهم النقابية والوطنية.
ذكرى 2026.. تغيير في مراسم الإحياء
وشهدت طريقة إحياء الذكرى خلال السنوات الأخيرة بعض التحولات، إذ تقرر سنة 2026 أن يشرف المكتب التنفيذي الوطني للاتحاد العام التونسي للشغل على إحياء الذكرى الـ79، بدل الإشراف المعتاد من الأمين العام للمركزية النقابية.
وجاء ذلك في سياق اتسم ببعض التوتر في العلاقة بين المركزية النقابية والاتحاد الجهوي للشغل بصفاقس، ليضيف إلى الذكرى التاريخية بُعدًا جديدًا يرتبط بواقع المنظمة الشغلية اليوم.
من ذاكرة صفاقس إلى الذاكرة الوطنية
تتجاوز دلالة 5 أوت 1947 حدود المدينة، فهي جزء من تاريخ تشكل الحركة النقابية التونسية ونضالها ضد الاستعمار الفرنسي.
فصفاقس، التي كانت من أهم مراكز الحركة العمالية والنقابية في تونس، دفعت في ذلك اليوم ثمنًا باهظًا، وسقط من أبنائها شهداء وجرحى في مواجهة أصبحت واحدة من العلامات البارزة في تاريخ النضال الوطني.
ولهذا، فإن 5 أوت 1947 ليس مجرد تاريخ في روزنامة صفاقس، بل محطة تستعيد من خلالها المدينة ذاكرتها، وتستحضر تضحيات أبنائها، وتربط بين تاريخها المحلي والسردية الوطنية الأوسع لنضال التونسيين من أجل التحرر.
وبعد 79 عامًا، لا تزال ذكرى ذلك اليوم حاضرة في صفاقس، ليس فقط من خلال النصب التذكارية والمراسم السنوية، وإنما أيضًا في الذاكرة الجماعية لمدينة عرفت كيف تجعل من الألم والتضحيات جزءًا من تاريخها.



